ثمة تعريفات كثيرة للاتفاقيات العسكرية، أشهرها أنها ترتيبات أمنية لتعزيز القدرات الدفاعية بين أطراف العلاقة، وبناء خطوط دفاع استباقية لمواجهة التحولات في موازين القوة والاقتصاد. وهذا ما ينطبق إلى حد كبير على «اتفاق مكة» الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي يعكس إرادة الأطراف لإعادة صياغة شبكة المصالح في لحظة تاريخية تتغير فيها قواعد اللعبة في الشرق الأوسط.
الرياض، صاحبة الضيافة، وبعد خمسة أشهر على اندلاع أخطر النزاعات في المنطقة، أدركت ضرورة بناء تحالفات جديدة تقلل تكلفة الاعتماد على حليف واحد مُختبَر ومتردد، ومنظومة خليجية منقسمة وعاجزة عن إنتاج موقف موحد يوازي حجم التهديدات. أما أنقرة وإسلام آباد، فتريان في الاتفاق فرصة لتوسيع حضورهما السياسي والاقتصادي في الخليج، أكثر من كونه مجرد تعاون عسكري.
من هنا، يبدو أن الاتفاق حاجة سعودية بحتة قبل أن يكون حاجة تركية أو باكستانية. فالسعودية تقود منذ عام 2016 أكبر عملية تحول اقتصادي في تاريخها ضمن «رؤية 2030»، وتضخ مئات المليارات في مشاريع تنموية عملاقة، بالاعتماد على عنصري النفط والاستقرار لجذب الاستثمارات ورؤوس الأموال العالمية، وتحويل المملكة إلى مركز صناعي ولوجستي وسياحي، وهو ما لا تقوى عليه الرياض ما بقي التوتر الأمني والعسكري في المنطقة يعطل الخطط التنموية، أو يرهنها بالمظلة الأميركية وحدها.
لذلك، فإن تنويع وتوسيع الشراكات الأمنية بات جزءًا من استراتيجية تنويع الاقتصاد السعودي، وليس مجرد قرار عسكري. فالأمن اليوم لم يعد قضية عسكرية فقط، بل أصبح أحد أهم عناصر الجاذبية الاستثمارية التي تبني عليها الرياض سرديتها، وتبقيها في دائرة الـ20 الكبار عالميًا من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، البالغ نحو 1.3 تريليون دولار بالأسعار الجارية عام 2025.
بدورها، تدخل تركيا الخليج من بوابة الاقتصاد قبل الدفاع. فأنقرة تمتلك واحدة من أكثر الصناعات الدفاعية نموًا في العالم، بحجم أعمال يتجاوز 20 مليار دولار سنويًا، وتسعى لتحويلها إلى رافعة للصادرات والاستثمارات المشتركة. وترى في الخليج عمومًا، والسعودي على وجه الخصوص، سوقًا كبيرة، ومصدرًا مهمًا لرؤوس الأموال التي تحتاج إليها لدعم اقتصادها واحتواء التضخم المنفلت.
أما باكستان النووية، ورأس حربة الوساطة بين طهران وواشنطن، فتدرك أن حضورها في الخليج يجب أن يتجاوز مرحلة تصدير العمالة فقط، وعليها أن تلعب أدوارًا استراتيجية جديدة. وترى أن الاتفاق يمنحها فرصة للعودة إلى معادلة الأمن الإقليمي، ويفتح الباب أمام استثمارات سعودية وخليجية أكبر في قطاعات الطاقة والزراعة والبنية التحتية والصناعة، في بلد يعاني نحو 40% من سكانه، البالغ عددهم نحو 260 مليون نسمة، من الفقر.
اقتصاديًا، يمكن النظر إلى الاتفاق باعتباره محاولة لبناء سلسلة قيمة إقليمية؛ فالسعودية تمتلك رأس المال، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية وتقنية متقدمة، وباكستان توفر الموارد البشرية والقدرات العسكرية. وفي حال نجح هذا التكامل، فقد يتحول إلى نموذج اقتصادي جديد يتجاوز العلاقة التقليدية بين المستثمر والمستفيد، نحو شراكة إنتاجية وصناعية طويلة الأجل.
أما السؤال الأكثر حساسية: أين الولايات المتحدة وإيران من الاتفاق، ولماذا غابت مصر عن المشهد؟
الولايات المتحدة لا تزال الضامن الأمني الرئيسي للخليج، ومن غير الواقعي الحديث عن خروجها من المعادلة. إلا أن الاتفاق يعكس حقيقة جديدة، وهي أن دول المنطقة لم تعد ترغب في وضع أمنها واقتصادها في سلة واشنطن وحدها.
مراقبون يرون أن استمرار المواجهة مع طهران سيرفع قيمة الاتفاق سياسيًا واقتصاديًا، خاصة أن طهران باتت تدرك أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالسلاح، بل بقدرة الدول على حماية سلاسل الإمداد، وتأمين الطاقة، والمحافظة على تدفق الاستثمارات، وضمان استمرار الإنتاج، ما يعزز قدرة الاقتصادات الثلاثة على مواجهة الاضطرابات الإقليمية.
أما مصر، فلديها حساباتها الخاصة المتعلقة بالأمن القومي المباشر، وتحديات الاقتصاد، وليبيا والسودان والبحر الأحمر وغزة وشرق المتوسط. وبالتالي، من المنطقي أن تكون خارج التحالف، في هذه المرحلة على الأقل، خشية أن يفتح عليها جبهات وخصومات غير مرتبطة بمصالحها المباشرة.
إن المبالغة في تقدير الاتفاق ستكون خطأ، كما أن التقليل من أهميته سيكون خطأ أكبر. فهو ليس حلفًا عسكريًا لقلب الموازين بأثر فوري، لكنه بالتأكيد مؤشر على أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة، تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد بصورة غير مسبوقة.
قصارى القول: إن الرسالة الأهم التي يحملها التحالف هي أن الرياض لم تعد تشتري الأمن فقط، بل تحاول إعادة إنتاجه؛ ليس عبر السلاح، بل عبر شبكة مصالح اقتصادية وصناعية تجعل استقرار المنطقة مصلحة مشتركة للأطراف الثلاثة، وتمنح السعودية هامشًا أوسع للمناورة في عالم يتجه سريعًا نحو تعدد الأقطاب.
اقرأ للكاتب أيضاً:
مقال رأي | هل طوّعت قطر النفوذ بالاستثمار... أم بنت الاستثمار بالنفوذ؟
مقال رأي| الخليج في مهب الحرب.. هل سقطت منظومة الردع الاقتصادي؟
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي